عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

118

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

كان بالبصرة رجلٌ من المجتهدين في الطاعة ، وكان قليل المطعم ، وبدنُه غير مهزول ، فسُئل عن سبب ذلك ، فَقَالَ : ذلك مِن فرحى بحب الله ، إذا ذكرتُ أنَّه ربي وأنا عبده لم يمنع بدني أنْ يصلح . وسُئل أبو الحسن بن بشار : هل يكون الوليُّ سَمينا . قال : نعم إذا كان الولي أمينًا . قِيلَ لَهُ : كيف ، واللَّهُ يبُغض الحبر السمين . قال : إذا علم الحبر عبدَ مَن هو ازداد سمنًا . وكان بشر يخطر في داره ، ويقول : كفى لي عِزًّا أني لك عبد ، وكفى لي فخرًا أنك لي رب . نُسبت لكم عبدًا وذلك بغيتي . . . وتشريفُ قدري نسبتي لعُلاكم فكل عذاب في هواكم يلذُ لي . . . وكل هوانٍ طيِّبٌ في هواكم لحا ( 1 ) الله قلبي إنْ تغير عنكم . . . وإن مال في الدُّنْيَا لحب سواكم فمن وفَّى نفسه حظها من عيش جسده بالشهوات الحسية كالطعام والشراب ؛ فسد قلبُه وقسا ، وجلب له ذلك الغفلةَ وكثرة النوم . فنقص حظُّ روحه وقلبه من طعام المناجاة وشراب المعرفة ، فخسر خُسرانًا مبينًا . قال بعضُهم : مساكين أهل الدُّنْيَا ، خرجوا منها وما ذاقوا أطيب شيء فيها . قيل : وما هو ؟ قال : معرفةُ اللًه عزَّ وجل ، فمن عاش في الدُّنْيَا ولا يعرف ربَّه ولا يتنعم بخدمته ، فعيشُه عيش البهائم . نهارُك يا مغرورُ سهوٌ وغفلة . . . وليلك نومٌ والردى ( 2 ) لك لازم وتتعب فيما سوف تكره غِبه . . . كذلك في الدُّنْيَا تعيش البهائم

--> ( 1 ) يقال : لحا لي الرجل أي شتمه ولامه وعنفه ، وقيل : إِنَّ الملاحاة هي الملاومة ، والمباغضة ، ومنه لحاه الله لحيًا ، أي : قبحه ولعنه . " اللسان " مادة : ( لحي ) . ( 2 ) الردى : الهلاك " اللسان " مادة : ( ردي ) .